الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
454
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والصغيرة في الكعبة ، والبالغ عددها ( 360 ) صنما ، تعجبوا : لماذا جاءهم النذير من بينهم ؟ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم . كان تعجبهم بسبب أن محمدا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) رجل منهم . . فلماذا لم تنزل ملائكة من السماء بالرسالة ؟ . . هؤلاء تصوروا أن نقطة القوة هذه نقطة ضعف ، فالذي يبعث من بين قوم ، هو أدرى باحتياجات وآلام قومه ، كما أنه أعرف بمشكلاتهم وتفصيلات حياتهم ، ويمكن أن يكون لهم أسوة وقدوة ، إلا أنهم اعتبروا هذا الامتياز الكبير نقطة سلبية في دعوة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتعجبوا من أمر بعثته إليهم . وأحيانا كانوا يجتازون مرحلة التعجب إلى مرحلة اتهام رسول الله بالسحر والكذب وقال الكافرون هذا ساحر كذاب . وقلنا عدة مرات : إن اتهامهم الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالسحر ، إنما نتج من جراء رؤيتهم لمعجزاته التي لا تقبل الإنكار وتنفذ بصورة مدهشة إلى أفكار المجتمع ، واتهامه بالكذب بسبب تحدثه بأمور تخالف سنتهم الخرافية وأفكارهم الجاهلية التي كانت جزءا من الأمور المسلم بها في ذلك المجتمع ، وادعاء الرسالة من الله . وعندما أظهر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دعوته لتوحيد الله ، أخذ أحدهم ينظر للآخر ويقول له : تعالى واسمع العجب العجاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب ( 1 ) . نعم ، فالغرور والتكبر إضافة إلى فساد المجتمع ، تساهم جميعا في تغير بصيرة الإنسان ، وجعله متعجبا من بعض الأمور الواقعية والواضحة ، في حين يصر بشدة على التمسك ببعض الخرافات والأوهام الواهية . وكلمة ( عجاب ) على وزن ( تراب ) تعطي معنى المبالغة ، وتقال لأمر عجيب مفرط في العجب . فالسفهاء من قريش كانوا يعتقدون أنه كلما ازدادت عدد آلهتهم ازداد نفوذهم
--> 1 - " الجعل " بمعنى التصيير ، وهو - كما قيل - تصيير بحسب القول والاعتقاد والدعوى لا بحسب الواقع .